الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
477
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
يقول تعالى : تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شئ قدير . " تبارك " : من مادة ( بركة ) في الأصل من ( برك ) على وزن ( ترك ) بمعنى ( صدر البعير ) ، وعندما يقال : ( برك البعير ) يعني وضع صدره على الأرض . ثم استعملت الكلمة بمعنى الدوام والبقاء وعدم الزوال ، وأطلقت كذلك على كل نعمة باقية ودائمة ، ومن هنا يقال لمحل خزن الماء ( بركة ) لأن الماء يبقى فيها مدة طويلة . وقد ذكرت الآية أعلاه دليلا ضمنيا على أن الذات الإلهية مباركة ، وهو مالكيته وحاكميته على الوجود ، وقدرته على كل شئ ، ولهذا السبب فإن وجوده تعالى كثير البركة ولا يعتريه الزوال . ثم يشير سبحانه في الآية اللاحقة إلى الهدف من خلق الإنسان وموته وحياته ، وهي من شؤون مالكيته وحاكميته تعالى فيقول : الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا . " الموت " : حقيقته الانتقال من عالم إلى عالم آخر ، وهذا الأمر وجودي يمكن أن يكون مخلوقا ، لأن الخلقة ترتبط بالأمور الوجودية ، وهذا هو المقصود من الموت في الآية الشريفة ، أما الموت بمعنى الفناء والعدم فليس مخلوقا ، لذا فإنه غير مقصود . ثم إن ذكر الموت هنا قبل الحياة هو بلحاظ التأثير العميق الذي يتركه الالتفات إلى الموت ، وما يترتب على ذلك من سلوك قويم وأعمال مقترنة بالطاعة والالتزام ، إضافة إلى أن الموت كان في حقيقته قبل الحياة . أما الهدف من الامتحان فهو تربية الإنسان كي يجسد الاستقامة والتقوى والطهر في الميدان العملي ليكون لائقا للقرب من الله سبحانه ، وقد بحثنا ذلك مفصلا فيما سبق ( 1 ) .
--> 1 - يمكن مراجعة الشرح الوافي حول الامتحانات الإلهية في تفسير الآية ( 155 ) من سورة البقرة .